حسن الأمين

81

مستدركات أعيان الشيعة

كثير جدا . . . ووجدت قوما خادعين ومخدوعين ، فرحمت الجميع وعملت لهم ما قد حكيته مجردا في صدر كتابي الرحمة « ( مختارات كراوس ص 314 ) . 53 - كتاب التجميع ، نشره پول كراوس في مختاراته ص 341 - 392 . 54 - كتاب الأصول ، موجود في المتحف البريطاني بالمجموعة 23418 رقم 13 ، وقد ترجم إلى اللاتينية بعنوان LiberRadicum وقد أشار إليه جابر عدة مرات في كثير من كتبه . قائلا عنه : « إنه والله من نفيس الكتب » ( مختارات كراوس ، ص 74 ، 322 ، 342 ، 450 ) . ونكتفي بهذا القدر من مؤلفات جابر ، لأن غايتنا ليست هي الحصر الكامل المحقق لهذه المؤلفات ، بل هي تقريب الصورة إلى القارئ عن هذا العالم العربي . عالم ومنهجه إيمانه بالعلم : « والعلم » هنا مقصود به علم الكيمياء بصفة خاصة ، و « الكيمياء » مقصود بها الوسائل التي يستطيع بها الكيميائي أن يبدل طبائع الأشياء تبديلا يحولها بعضها إلى بعض ، وذلك أما بحذف بعض خصائصها أو بإضافة خصائص جديدة إليها ، لأنه إن كانت الأشياء كلها ترتد إلى أصل واحد ، كان تنوعها راجعا إلى اختلاف في نسب المقادير التي دخلت في تكوينها ، فليس الذهب - مثلا - يختلف عن الفضة في الأساس والجوهر ، بل هما مختلفان في نسبة المزج ، فاما زيادة هنا أو نقصان هناك ، وما على العالم إلا أن يحلل كلا منهما تحليلا يهديه إلى تلك النسبة كما هي قائمة في كل منهما ، وعندئذ يرتسم أمامه الطريق واضحا إذا أراد أن يغير من طبيعة هذا أو ذاك ، لأن مدار التغيير هو - كما قلنا - حذف أو إضافة . وكان رجال الفكر من هذا العلم فريقين : فأكثرية تذهب إلى بطلانه واستحالته ، وقلة تؤكد إمكانه عند العقل وفي الفعل على حد سواء . فمن المنكرين الشيخ الرئيس ابن سينا الذي حاول في كتابه الشفاء أن يقيم الحجة على بطلانه ، وكانت حجته هي أن الصفات التي يقال عنها أنها إذا أضيفت هنا أو حذفت هناك تحولت الأشياء بعضها إلى بعض ، صفات محسوسة عرضية لا تمس جواهر الأشياء ، فليست هي بالفواصل الحقيقية التي تميز نوعا من نوع ، وأما الفواصل الحقيقية فمجهولة ، فلسنا ندري ما ذا في الذهب مما يجعله ذهبا ولا ما ذا في النحاس ما يجعله نحاسا ، وإذا كان الشيء مجهولا فكيف يتاح لنا أن نوجده إيجادا أو نفنيه إفناء ؟ ( 1 ) . وكان الفيلسوف الكندي كذلك من المنكرين لإمكان قيام هذا العلم ، وأقام إنكاره هذا على أساس أن الطبيعة قد انفردت - دون الإنسان - بأشياء محال على الإنسان أن يأتي بمثلها ، كما انفرد الإنسان - دون الطبيعة - بأشياء أخرى ، ومن الخلط بل من الخداع أن يحاول الإنسان فعل ما قد انفردت الطبيعة بفعله ( 2 ) ، فكما أنه محال على الطبيعة أن تصنع سيفا أو سريرا أو خاتما ، فكذلك محال على الإنسان أن يصنع ذهبا أو فضة أو نحاسا . والظاهر أن أبا نصر الفارابي قد وقف موقفا وسطا بين إمكان علم الكيمياء واستحالته ، مستندا في ذلك إلى أرسطو وموقفه من هذا الموضوع نفسه ، وخلاصة هذا الموقف الوسط ، هي أن تحول الأشياء بعضها إلى بعض متوقف على نوع الصفات المراد حذفها أو اضافتها ، فان كانت أعراضا ذاتية تعذر التحول ، وأما إن كانت أعراضا عرضية أمكن التحول ، هذا إلى أن إمكان التحول قد يكون مقبولا من الوجهة الصورية النظرية ، لكنه عسير من الوجهة الفعلية العملية ( 3 ) . لكن هناك فريقا آخرهم أكثر إيمانا بما يستطيعه العلم ، ومن هؤلاء فخر الدين الرازي الذي عقد فصلا في المباحث المشرقية يبين فيه إمكان علم الكيمياء ، ومنهم الشيخ نجم الدين ابن البغدادي الذي رد على ابن تيمية وزيف ما كان قاله عن استحالة علم الكيمياء ، ومنهم كذلك أبو بكر محمد بن زكريا الرازي الذي تصدى للرد على الكندي في الموضوع نفسه ، وصنف الطغرائي كتبا يثبت فيها إمكان قيام هذا العلم ، ويرد على ما كان ابن سينا قد ذهب إليه من عدم إمكان ذلك ( 4 ) . وعلى رأس المثبتين لعلم الكيمياء بالقول وبالفعل معا ، هو جابر بن حيان الذي كان أول من اشتهر عنه هذا العلم ، فهو يتساءل في عجب : كيف يظن العجز بالعلم دون الوصول إلى الطبيعة وأسرارها ؟ ألم يكن في مستطاع العلم أن يجاوز الطبيعة إلى ما وراءها ؟ فهل يعجز عن استخراج كوامن الطبيعة ما قد ثبتت قدرته على استخراج السر مما هو مستور وراء حجبها ؟ وهو يستدرك هنا بقوله : إننا لا نطالب من لا علم له بالتصدي للكيمياء ، بل نطلب ذلك من ذوي العلم الذين استوفوا أركان البحث ( 5 ) ، ولعمري إن هذا القول من جابر لما نضعه في مقدمة الشروط التي نستوجب استيفاءها في كل باحث علمي ، كائنا ما كان موضوع بحثه ، وفي أي عصر جاء ، فلا يجوز لغير العلماء المختصين أن يقولوا ما ذا يستطاع وما ذا لا يستطاع في مجال البحث ، ويمضي جابر في حديثه عن إمكان العلم الكيموي أو امتناعه ، فيقول أن أسرار الطبيعة قد تمتنع على الناس لأحد سببين ، فاما أن يكون ذلك لشدة خفائها وعسر الكشف عنها ، وأما أن يكون للطافة تلك الأسرار بحيث يتعذر الإمساك بها ، وسواء كان الأمر هو هذا أو ذلك ، كان في وسع الباحث العلمي أن يلتمس طريقا إلى تحقيق بغيته ، فلا صعوبة الموضوع ولا لطافته ودقته مما يجوز أن تحول العلماء دون السير في شوط البحث إلى غايته ( 6 )

--> ( 1 ) كشف الظنون ، حاجي خليفة ، مجلد 2 ، ص 341 . ( 2 ) المرجع نفسه ، ص 342 . ( 3 ) المصدر نفسه ، ص 2 - 341 . ( 4 ) المصدر نفسه ، ص 341 . ( 5 ) جابر بن حيان ، كتاب إخراج ما في القوة إلى الفعل ، نشر كراوس ، ص 7 . ( 6 ) المصدر السابق نفسه ، ص 8 .